ابن عجيبة

147

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

رؤساؤهم ، الذين أضلوهم ، وإبليس وجنوده ، ومن سنّ الشرك . وليس المراد قصر الإضلال على المجرمين دون من عداهم ، بل قصر ضلالهم على كونه بسبب إضلالهم ، من غير أن يستقلوا به ، وهذا كقولهم : رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا « 1 » . وعن السّدّى : هم الأولون الذين اقتدوا بهم . وأيّا ما كان ففيه التعريض للذين قالوا : بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ . ثم قالوا : فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء - عليهم السلام - وغيرهم ممن أهّل للشفاعة . وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ كما لهم أصدقاء ؛ إذ لا يتصادق في الآخرة إلا المؤمنون ، وأما الكفار فبينهم التعادي كما يأتي في الآية . أو : ما لنا من شافعين ، ولا صديق من الذين كنا نعدهم شفعاء وأصدقاء ؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن أصنامهم تشفع لهم عند اللّه ، وكان لهم أصدقاء من شياطين الإنس ، فلم ينفعهم شئ من ذلك . وجمع الشفعاء ووحّد الصديق ؛ لكثرة الشفعاء . وأما الصديق ، وهو الصادق في ودادك ، الذي يهمه ما أهمك ، ويسره ما أسرك ، فقليل ، وسئل حكيم عن الصديق ، فقال : ( اسم لا معنى له ) ، أي : لا وجود له ، والبركة لا تنقطع . قال القشيري : في الخبر : يجئ يوم القيامة عبد فيحاسب ، فتستوى حسناته وسيئاته ، ويحتاج إلى حسنة واحدة يرضى عنه خصومه ، فيقول اللّه سبحانه له : عبدي بقيت لك حسنة ، إن كانت أدخلناك الجنة ، انظر ، وتطلّب من الناس لعلّ أحدا يهبها لك . فيأتي الصفين ، فيطلب من أبيه ، ثم من أمه ، ثم من أصحابه ، فلا يجيبه أحد إلا بقوله : أنا اليوم فقير إلى حسنة واحدة ، فيرجع إلى مكانه ، فيسأله الحقّ - سبحانه : ما جئت به ؟ فيقول : يا ربّ لم يعطني أحد حسنة ، فيقول اللّه تعالى : عبدي . . ألم يكن لك صديق ؟ فيتذكر العبد ، ويقول : فلان كان صديقا لي فيك ، فيأتيه ويدله الحق عليه ، فيكلّمه ، فيقول : بل لي عبادات كثيرة ، فإن قبلها اللّه منى فقد وهبتها لك ، فيسرّ ويجئ إلى موضعه ، فيخبر بذلك ربّه تعالى ، فيقول : قد قبلتها منه ، ولم أنقص من حقّه شيئا ، وقد غفرت لك وله - فهذا معناه . ه . ونقل القرطبي عن الحسن قال : ما اجتمع ملأ على ذكر اللّه ، فيهم عبد من أهل الجنة ، إلا شفّعه اللّه فيهم ، وإن أهل الإيمان ليشفع بعضهم في بعض ، وهم عند اللّه شافعون مشفعون . ه . ثم قالوا : فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً أي : رجعة إلى الدنيا فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، وجواب لو التّمنية : محذوف ، أي : لفعلنا كيت وكيت ؛ إذ « لو » ، في مثل هذا ، للتمنى ، أي : فليت لنا كرة فنكون من المؤمنين . إِنَّ فِي ذلِكَ أي : فيما ذكر من الأنباء العجيبة ؛ كقصة إبراهيم مع قومه ، وما ترتب على ذلك من الوعد والوعيد ، لَآيَةً عظيمة ، موجبة للزجر عن عبادة الأصنام ، لا سيما لأهل مكة ، الذين يدّعون أنهم على ملة

--> ( 1 ) من الآية 67 من سورة الأحزاب .